محمد بن المنور الميهني
124
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
هدوء حتى وصل إلى الخانقاه . ولما دخلها لم يشعر به أحد ، وألقى التحية في صوت خافت سمعه الدراويش بصعوبة . وعندما رأى الصوفية تغير حاله أرادوا أن يعرفوا أي شيخ هذا الذي تركت صحبته لنصف يوم في نفس ذلك الدرويش من الأثر ما لم يتحقق له بالرياضة والمجاهدة سنين طويلة ، فسألوه : من ذلك الذي بعثك الشيخ إليه ؟ فذكر لهم القصة . فتعجب الجميع ، وسألوا الشيخ عن ذلك . فقال الشيخ : لقد رافقتنا هذه الحية سبع سنوات ، وكان كل منا يرتاح إلى الآخر . وقصارى القول أنه لم ير أحد من ذلك الدرويش حركة غليظة بعد ذلك اليوم ولم يسمع منه صوتا عاليا ، ولم يبق فيه شئ من هذا ، وأصبح مؤدبا مهذبا بلفتة واحدة من الشيخ . حكاية [ ( 31 ) ] : قال الأستاذ عبد الرحمن مقرئ شيخنا إن الشيخ كان يتحدث يوما في مجلس في نيسابور ، وكان في المجلس رجل علوي ، فقال لنفسه : نحن نملك النسبة وهذا الشيخ يملك العزة والدولة . فالتفت الشيخ إلى ذلك العلوي في الحال ، وقال له : أيها السيد ، يلزم أفضل من هذا وذاك . تم التفت إلى الجمع وقال : أتعلمون ما ذا يقول هذا السيد ؟ إنه يقول . نحن نملك النسب ، وهنا توجد الدولة والعزة . اعلموا أن كل ما أدركه محمد عليه السلام إنما أدركه بالنسبة لا بالنسب لأن أبا جهل وأبا لهب كانا أيضا من ذلك النسب . وأنتم قد قنعتم من ذلك العظيم بالنسب ، أما نحن فقد أسلمنا إليه أنفسنا في النسبة ، والآن لا تقنع بذلك ، فلا جرم أن جعل اللّه لنا نصيبا من تلك الدولة والعزة التي كانت لذلك العظيم ، وأوضح أن الطريق إلى حضرتنا يكون بالنسبة لا بالنسب .